سليمان بن موسى الكلاعي
259
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
وأرسل بالكتاب إليهم مع فيج ، نصراني على دينهم ، وقال له : عجل علىّ ، فإني إنما أنتظرك ، فلما قدم عليهم قالوا له : ويحك ، ما وراءك ؟ قال : لا أدرى إلا أن هذا الرجل بعثني إليكم بهذا الكتاب ، وقد وجه عسكره نحوكم ، وقال لي : ما يمنعني من المسير إليهم إلا انتظار رجوعك ، فقالوا : انتظرنا ساعة من النهار ، فإنا ننتظر عينا لنا يقدم علينا من قبل أمير العرب الذي بدمشق ، ومن قبل جند الملك الذي أقبل إلينا ، فننظر ما يأتينا به ، فإن ظننا أن لنا بالعرب قوة لم نصالحهم ، وإن خشينا ألا نقوى عليهم صنعنا ما صنع أهل الأردن وغيرهم ، فما نحن إلا كغيرنا من أهل الشام ، فأقام العلج حتى أمسى ، ثم إن رسول أهل إيلياء الذي بعثوه عينا لهم أتاهم فأخبرهم أن باهان قد أقبل من عند ملك الروم في ثلاثة عساكر ، في كل عسكر منها أكثر من مائة ألف مقاتل ، وأن العرب لما بلغهم ما سار إليهم من تلك الجموع علموا أنه لا قبل لهم بما جاءهم ، فانصرفوا راجعين ، وقد كان أوائل العرب دخلوا أرض قنسرين « 1 » فأخرجوهم منها ، ثم أتوا أرض دمشق فأخرجوهم منها ، ثم أقبلت العرب الآن نحو الأردن ، نحو صاحبهم هذا الذي كتب إليكم ، والروم يسوقونهم سوقا عنيفا ، فتباشروا بذلك وسروا به ، ودعوا العلج الذي بعث به إليهم عمرو بن العاص ، وقالوا : اذهب بكتابنا هذا إلى صاحبك ، وكتبوا معه : أما بعد ، فإنك كتبت إلينا تزكى نفسك وتعيبنا ، وقول الباطل لا ينفع قائله نفسه ولا يضر عدوه ، وقد فهمنا ما دعوتنا إليه ، وهؤلاء ملوكنا وأهل ديننا قد جاؤكم ، فإن أظهرهم الله عليكم فذلك بلاؤه عندنا في القديم ، وإن ابتلانا بظهوركم ، فلعمري لنقرن ، لكم بالصغار ، وما نحن إلا كمن ظهرتم عليه من إخواننا ، ثم دانوا لكم وأعطوكم ما سألتم . فقدم الرسول بهذا الكتاب على عمرو ، فقال له : ما حبسك ؟ فأخبره الخبر ، فلم يكن إلا يومه ذلك حتى قدم خالد بن الوليد في مقدمة أبى عبيدة ، فجاء حتى نزل اليرموك ، وأقبل عمرو حتى نزل معه . وقعة اليرموك « 2 » على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام قالوا « 3 » : ولما اجتمع جمع المسلمين باليرموك استشار أبو عبيدة أهل الرأي من
--> ( 1 ) قنسرين : مدينة بالشام ، وهى الجابية ، بينها وبين حلب اثنا عشر ميلا . انظر : الروض المعطار ( 473 ) . ( 2 ) راجع : المنتظم لابن الجوزي ( 4 / 118 - 123 ) ، تاريخ الطبري ( 3 / 396 ) . ( 3 ) انظر : تاريخ فتوح الشام ( 169 - 171 ) .